بلدة الزيتون والجبال في قلب ريف إدلب
تتربع بلدة الجانودية على هضبة باسقة ترتفع نحو 650 مترًا عن سطح البحر، في الريف الغربي لمدينة جسر الشغور بمحافظة إدلب. وهي مركز ناحية إدارية تضم عددًا من القرى والمزارع، ويبلغ عدد سكان الناحية حوالي 19,642 نسمة وفق تعداد 2004.
من أعلى البلدة تنكشف أمام العين لوحة طبيعية مهيبة: سلسلة جبال اللاذقية تمتد في الأفق، وجبل الأقرع المُطل على البحر المتوسط يلوح في الغرب، وجبلا التركمان والأكراد يحرسان الأفق الشمالي، فيما يقف الجبل الوسطاني شرقًا كحارس أمين. إنها إطلالة لا يملّها أهل البلدة ولا ينساها من غادرها.
تتميز الجانودية بخضرتها الدائمة التي لا تغيب صيفًا ولا شتاءً. تنتشر غابات الصنوبر الكثيفة على جوانب التلال، وتجري في أراضيها مجارٍ مياه عذبة ترسم خطوطًا فضية بين البساتين.
من أبرز مصادر المياه النهر الأبيض الذي يمر بالقرب من البلدة ويسقي الأراضي المحيطة، ونهر بكفلا الذي يشكل رافدًا طبيعيًا للمنطقة، إلى جانب عين الحديد التي ظلّت عبر الأجيال مصدرًا للمياه العذبة الصافية.
يمنح هذا الارتفاع البلدة مناخًا معتدلًا صيفًا وباردًا ممطرًا شتاءً، مما يساهم في خصوبة التربة وجودة المحاصيل الزراعية التي تشتهر بها.
الزيتون هو العمود الفقري لاقتصاد الجانودية وهويتها. تغطي أشجار الزيتون نحو 80٪ من الأراضي الزراعية، وتضم أصنافًا متنوعة أبرزها:
من أشهر أصناف الزيتون السوري، يُعصر منه زيت بكر ممتاز بنكهة غنية ولون ذهبي.
صنف محلي معروف بحجم ثماره الكبير، يُستخدم لزيتون المائدة وللعصر.
صنف مميز بطعمه الخفيف، يُحضّر عادة لزيتون المائدة المكبوس.
صنف ممتاز للتخليل والتحضير للمائدة، يتميز بمذاقه المتوازن.
ولا يكتمل الحديث عن الزيتون في الجانودية دون ذكر سوق زيتون المائدة السنوي، الذي يفتح أبوابه من منتصف تشرين الأول (أكتوبر) ويستمر حتى كانون الثاني (يناير). يأتي إليه المزارعون والتجار من قرى إدلب ومحيطها، ويُعدّ واحدًا من أكبر الأسواق الموسمية في المنطقة.
إلى جانب الزيتون، تُعدّ الجانودية من أبرز مناطق زراعة اللوزيات في ريف إدلب. تنتشر في بساتينها أشجار المشمش والدراق واللوز والخوخ وغيرها، وفي فصل الربيع تتحول التلال إلى لوحة بيضاء وزهرية من أزهار اللوز والمشمش.
هذه الزراعات ليست مجرد محاصيل، بل هي جزء من روح البلدة ونسيجها الاجتماعي.
أهل الجانودية أهل طيبة وكرم وجوار. تربطهم الأرض وتجمعهم المواسم: في الخريف يجتمعون لقطف الزيتون وعصره في المعاصر، وفي الربيع يقطفون اللوزيات ويحتفلون بتفتح الأزهار، وفي الصيف يعود المغتربون لزيارة أهلهم وأرضهم، فتمتلئ البيوت بالضحك ورائحة القهوة العربية.
لقد انتشر أبناء الجانودية في بلدان عديدة، لكنهم يحملون بلدتهم في قلوبهم أينما حلّوا. هذا الموقع جسرٌ يربطهم ببعضهم، وبأرضهم، وبذكرياتهم الجميلة.
بلدة الجانودية واحدة من بلدات الريف السوري التي نسجت هويتها من تشابك الإنسان مع أرضه. لكل شجرة زيتون فيها حكاية، ولكل عين ماء ذكرى، ولكل درب بين البساتين قصة يرويها الأجداد للأحفاد. تعكس البلدة روح الشمال السوري الأصيلة: حب الأرض، التضامن بين الجيران، والإصرار على البقاء والبناء.